احذر أفخاخ الفيس بوك الخمسة

  • 24 مارس, 2026
احذر أفخاخ الفيس بوك الخمسة

هذه الأفخاخ منصوبة في فضاء الفيس بوك للناشطين الدائمين وصناع المحتوى، فهل لديك حذر كافي لتجنب الوقع فيها؟

فخ المديح

إياك أن تقع في فخ تصديق المديح الذي يكيله المعلقون لك في ذيل كل منشور تكتبه. تصديق المديح سيورثك الإعجاب بالنفس الذي سيجمدك ويدمرك ويشل قدرتك على تطوير نفسك كما تشل السموم البطيئة الأجساد الحية!

الناس لا يمتدحونك غالباً إلا لأنك تقدم لهم بضاعة فكرية تناسبهم، فهم في الواقع يمتدحون أنفسهم وفكرهم الخاص الذي استطعت أنت التعبير عنه بكلمات واضحة. إن معظم المادحين سينقلبون عليك في حال أوردت فكرا مخالفا لهم، ومادحُ اليوم هو كارِهُ الغد الذي سيعتبر نفسَه أنه كان مغشوشاً بك، فقط لأنه اكتشفَ أن أفكارك لا تتطابق مع أفكاره بنسبة مئة بالمئة، والذي ستعتبره أنت “لو وقعت في الفخ” الجاهلَ الذي لم يستطع استيعاب حكمتك!

إن المديح الذي يُوجَّه لك هو عينه المديح الذي يوجهه أناس آخرون لغيرك من أصحاب الأفكار والرؤى المختلفة عنك، ولو نجح هذا المديح في جعل كل شخص معجباً ببضاعته لتوقف الناس عن مراجعة أفكارهم والتأثر بغيرهم.

فخ حذف المخالفين

وكما أن المادح قد يضر أكثر مما قد ينفع، فإن الناقد المخالف بأدب هو الكنز الحقيقي الذي يجب عليك الاحتفاظ به. نعم كثيراً ما ستضع إصبعك على زر الحذف مترددا بين الإقدام والتصبر. أنت تشعر باستفزاز لا حد له تثيره فيك منشورات هؤلاء الذين يرون الحياة من زاوية مختلفة تماماً عنك، لكن أفضل ما في هذه المنشورات هي أنها ستظل تذكرك بوجود زوايا النظر المختلفة هذه، وبوجود أناس يؤمنون بما لا تؤمن به، وأن عليك أن تتعايش مع هذا الأمر بكل رحابة صدر، ومن يدري، لعله يقدم لك حقائق كانت غائبة عنك.

نعم سيضايقك أنه سيخالفك في الرأي، وأنه سيكتشف فيما تكتب أو تقول ثغراتٍ لم تكن منتبهاً لها، وأنه سيجعل المعجبين بأفكارك يتشككون، وسيجبرك على البحث أو إعادة التفكير أو إعادة صياغة ما تكتبه، لكن مهلاً! ما الذي يمكن أن يكون أفضل من ذلك فعلا؟ النقدُ واكتشاف الثغرات وإعادة التفكير والحدُّ من إعجاب الآخرين، أوليست هذه هي الأمور التي يحتاج إليها الباحث عن الحقيقة؟

إن المخالفين لك هم سترة الأمان التي ستحميك من التطرف والإعجاب بالنفس، والتي ستدربك على الصبر والتسامح وستجبرك على عدم الاستخفاف بعملية الإنتاج الفكري.

⚠️ تحذير: خطر العزلة الفكرية

فخ وهم الإنجاز

إن عدد الإعجابات أو المشاركات أو عدد التعليقات الإيجابية الذي تتفقده في منشورك كل دقيقة هو الإنجاز الذي تبحث عنه نفسك لتمتلئ بالشعور بالرضا والسعادة. في داخل كل منا حاجة ملحة للإنجاز وإثبات النفس نحتاج أن نرويها، وهذا الأمر على أرض الواقع يتطلب الكثير من الصبر والجهد والعمل، ولكن وسائل التواصل الاجتماعي قدمت لنا إمكانية إشباع هذه الحاجة على طبق من ذهب.

كل ما عليك فعله لإثبات ذاتك هو عدة نقرات سريعة على لوحة المفايتح، عدة دقائق ويكون المنشور جاهزا، وتبدأ الإعجابات وتعليقات المديح والمشاركات، ويبدأ مؤشر الرضا عن النفس يرتفع حتى يمتلئ عن آخره في نهاية اليوم. وهكذا تمر السنوات وتكون إنجازاتك فيها هي عشرات المنشورات التي لا تتذكر ولا يتذكر منها أحد شيئا.

💡 نصيحة: استثمر في الإنجاز الحقيقي


فخ العمر الضائع

أنت ستتذكر بالتأكيد ذلك اليوم المشمس الذي دخلت فيه المطبخ مع زوجتك لتجربا معا طهي وصفة جديدة سمعتماها من أحد المعارف. ستتذكر عدد البيضات التي كسرتماها على حافة الطبق، ورائحة البهارات التي استخدمتماها، ستتذكر انفجاركما ضحكاً بعد انسكاب الزيت على فستان زوجتك، بل قد تتذكر أيضا لون الفستان.

لكن هل يمكنك أن تتذكر بكل هذا العمق وكل هذه التفاصيل أن فلانا قبل سنة علق لك على المنشور الفلاني التعليق الفلاني أو أن فلانا كتب المنشور الفلاني أو حمل الصورة الفلانية أو شارك الرابط الفلاني؟ مستحيل!

لقد تمكن الباحث جون ويردن من جامعة كيل البريطانية من فهم علاقة كثافة الذكريات بالإحساس بالوقت.

عندما نكون منشغلين بأمر ما ممتع كجلسة عائلية أو نزهة في الطبيعة فإننا نشعر أن الوقت يجري كسيارة مسرعة، لكن كثافة هذه الأحداث وانشغال حواسنا الخمسة بها ستجعلها تترسخ في ذكرتنا كإحساسات كثيفة. هذه الإحساسات الكثيفة ستبدو عند استرجاعها في الذاكرة بعد مضي فترة من الزمن كأوقات طويلة وممتدة نظرا لعمق التجربة التي عشناها ولتشارك حواسنا كلها بها.

على العكس من ذلك فإن انشغالنا بهواتفنا المحمولة وبكتابة المنشورات والتعليقات والرد عليها هو انشغال لا يكاد يؤثر سوى بحاسة واحدة، وبالتالي لن يشكل أي ذكرى عميقة، بل ستكون كل الذكريات المتعلقة به سطحية وهشة وغير قابلة للثبوت في الذاكرة، وبالتالي فإن هذا الوقت الذي أمضيناه منشغلين على موقع فيس بوك مثلا سيبدو عند استرجاعه بأنه لا شيء، بل إن مجرد استرجاعه حتى سيكون أمرا غير ممكن بسبب عدم كثافة الذكريات المتعلقة به، وبذلك سنشعر عند محاولة تذكر الوقت الذي أمضيناه مع هواتفنا بعد سنة مثلاً أننا لم نفعل شيئا يذكر أو أننا لم نعش أوقاتنا فعلا، لأننا لا نملك في ذاكرتنا ما يثبت لنا أننا عشنا هذا الوقت بالفعل. ستذهب هذه الأوقات إلى الأبد وستبدو لنا أعمارنا وكأن لم نعشها لأننا لم نملأها بالحياة الحقيقة النابضة بالتفاصيل.

فخ إشغال الدماغ بشكل دائم

هواتفنا صارت من أقرب الأشياء إلينا، وصرنا مدمنين عليها لدرجة أننا قد نفك شيفرتها أكثر من 100 مرة في اليوم ونفتح حساباتنا الاجتماعية دون هدف محدد. نحن نعتبر أنفسنا محظوظين لأن لدينا دوما وسيلة تسلية في جيبنا، وبذلك لا يمكن لنا أن نصاب بالسأم أو نقع فريسة دقائق الانتظار المملة. إن الدقائق العشر بين البيت والعمل في حافلة النقل العام أو نصف ساعة الانتظار لدى طبيب الأسنان أو لحظات الصمت في الجلسات العائلية هي أوقات أصبح من الممكن جعلها ممتلئة بتصفح مواقع التواصل الاجتماعي.

💡 هل هذا في صالح الدماغ فعلاً؟

أدمغتنا بحاجة حقا إلى رحلة الدقائق العشر في حافلة النقل الداخلي حين نطلق بصرنا إلى النافذة دون التفكير بشيء، حرفيا دون التفكير بشيء، فتستريح أدمغتنا وتسترخي عضلات عيوننا، وتستلقي هواتفنا باطمئنان في جيوبنا. أدمغتنا بحاجة إلى نصف ساعة الانتظار هذه عند الطبيب لكي تأخذ إجازة من زحمة المعلومات وتكون قادرة على الإتيان بأفكار إبداعية جديدة، هي بحاجة إلى هذه البرهات القصيرة من الصمت في الجلسات العائلية لكي تستطيع معالجة المعلومات وتحقيق تواصل مثمر مع الآخرين.

تقطع تركيزك مع حديث طفلك عن يومه المدرسي لتنشغل بإشعار من إشعارات تويتر، أو تقطع قراءتك لمنشور مهم في فيس بوك لتركز بشكل مفاجئ مع زوجتك التي دخلت الغرفة فجأة وبدأت بالكلام عن ضيوف البارحة. عمليات قطع التركيز المستمر بين الحياة الحقيقة والتصفح الالكتروني هي أيضا إرهاق كبير وإثقال للدماغ البشري لم يكن معتادا عليه من قبل.

💡 خلاصة ونصائح عملية